الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة في حوار خاص: هذا ما كشفهُ لمين النّهدي عن مسلسليْ حرقة والفوندو، وسرّ انبهارهِ بـ نعيمة الجاني .. لكن ماذا عن علاقتهِ بـ بيّة الزردي!؟

نشر في  02 ماي 2021  (20:35)

يُعدّ الفنّان الكوميدي القدير، لمين النّهدي، من أجرءِ المُدلين بآرائهم النقديّة، زادهُ في ذلك تجربته المسرحيّة والتلفزيّة الزاخرة والحافلة بالأعمال والتتويجات، وعندما يتحدّث «ملك الكوميديا» تُصغي الآذان وتسكت الأفواه عن الكلام المباح، ويخلق تصريحهُ في الميديا جدلاً محموماً يُلقي بظلاله على الوسط الفنّي ككُل.
 
وعوّدنا صاحب رائعة «المكّي وزكيّة» الخالدة بـ إطلالاته الإعلاميّة وحضوره اللّافت في رمضان حتّى وإن غابت مشاركاته ضمن الأعمال والإنتاجات، فـ نراهُ متابعاً جادّاً لما يُعرض على شاشة التلفاز، ومن ثمّ ناقداً شرساً لمواطن الخلل فيها، ومن الصّعب أن ينال عملٌ ما استحسان لمين النّهدي، ذلك الإسم الساطع الذي تضلّع في ميدانه أيّما تضلُّعٍ وساهمت مسيرته المُراوحة بين الكوميديا والتراجيديا في بناءِ ذهنٍ حصيف أثرى به قدراته على النقد والتقييم.
 
موقع الجمهورية حاورهُ واستجلى مستجدّات مشروعه المسرحي الذي لم يرَ النور بعدُ، وتعامله الفنّي المرتقب مع الإعلاميّة بيّة الزردي، كما طمأنَ السّائلين والقلقين على حالة رفيقة دربه سعاد مَحاسن، وأبدى رأيهُ في مُحصّلة الإنتاجات الرمضانيّة المحليّة، إضافةً إلى سرّ الخلاف الحاصل مع زميله المنجي العوني، خاتماً حديثهُ الشائق بـ تعليقٍ على ما بات يشهده الوضع العام في تونس من «غلاءٍ ووباء» .. مُطالعة رائقة نرجوها لقرّائنا الأعزّاء، دمتم ودامَ وفاؤكم.
 
- قيل الكثير عن مسرحيّتك الجديدة «نموت عليك» وأكّدتَ مراراً أنّها باتت جاهزة للعرض، ماذا يمكن إضافتهُ حولَ ملامح هذا العمل؟
 
بادئ ذي بدء، أودّ إفادة القرّاء بأنّ «نموت عليك» جاهزة تماماً للعرض ونحن على أهبة الاستعداد لملاقاة الجماهير المتعطّشة لفنّي وإبداعاتي، ولَكَمْ أنا سعيد بتجربتي المتجدّدة مع الكاتب الذي أكسبتهُ التجارب كثيراً من الدّربة، المنصف ذويب، لكن لا يخفى على أحد تدهور الوضع الصحّي العام في البلاد وتبعاتهِ على شتّى الميادين والقطاعات، ومن بينها على وجه الخصوص تأثُّر الفعل الثقافي من جرّاء الجائحة، ما جعلَ الحركة الإبداعيّة بمختلف أوجهها في حالة شلل مُطبِق وحتّمَ على أهل المهنة الركون للراحة الجبريّة دون أيّ نشاطٍ يُذكر تدِبّ من خلاله الحياة الثقافيّة من جديد.
 
وأمّا عن ملامح المولود المسرحي المنتظر، فلن أَحيد بـ بوصلتي من حيث النمط الكوميدي الساخر الذي اشتغلتُ عليه فوق الخشبة طيلة السنوات الأخيرة، إذْ سأتقمّص 50 شخصيّة بالتمام والكمال بعيدة كل البعد عن ما قدّمتهُ في المكّي وزكيّة، السردوك نريشو، وليلة على دليلة... وهذا التلوُّن والتملُّص من شخصيّة إلى أخرى موهبة فريدة ونادرة أتمتّع بها والحمدُ لله، لكن فضلاً عنها، منحتُ هذا العمل زبدة خبراتي المكتسبة ونالَ منّي الجهد والتعبُ حتّى أصبحتُ أكرّس غالبيّة أوقاتي لإجراء التحضيرات والبروفات المضنية إيماناً منّي بأنّ من كدّ وجد ومن زرعَ حصد.
 
- إلى أيّ مرحلة وصلَ مشروعك المسرحي المُعلَن رفقة الإعلاميّة بيّة الزردي، وهلْ هيَ فكرة جادّة أم فرقعة عابرة الغاية منها اللّعب على أوتار "البوز"؟
 
لمين النّهدي ليسَ بحاجة إلى "البوز" حتّى يُحرّك إسمهُ، فأنا وبكل تواضع مدرسة لها تاريخ وعراقة ومكانتي محفوظة في قلوب القاصي والدَّاني، والعمل بمعيّة بيّة الزردي تجاوز مرحلة الفكرة إلى مشروع واضح المَعالم، حيث النصّ أتمّ صياغتهُ كمال اليعلاوي والمسرحيّة ثنائيّة وستشكّل مفاجأة سارّة وحدثاً هامّاً في تاريخ المسرح الوطني، لأنّني لمَستُ في بيّة وهي صاحبة الفكرة والمقترح، حسّاً فنيّاً عالياً وإلماماً بأبجديّات العمل المسرحي وهي قابلة للتطوُّر وإثبات حذاقتها وملئ مكانها مع مرور الوقت.
 
- ألَا يُعدّ التعامل مع وجه غير مسرحي وليس له الحدّ الأدنى من الأدوات المعتمدة في المهنة، مُخاطرة حقيقيّة، لا سيّما إن تعلّق الأمر بأيقونة كوميديّة في حجم لمين النّهدي؟
 
بالعكس، في موضوع الحال لا يمكن إسقاط هذا الحكم على تجربتي القادمة مع بيّة الزردي، لأنّ الأخيرة أبدت حرصاً كبيراً وانضباطاً لمواقيت لمساتنا الأولى، وقد شعرتُ أنّها قادرة على العطاء، علاوةً على أنّها تتمتّع بـ ميزة لا يهبُها إلّا الخالق وهيَ "القبول ومحبّة الناس"، وأنا على أتمّ الثقة أنّ بيّة الزردي ستكون بمثابة الاكتشاف لدى الجماهير والنقّاد، ولن تكون مُجازفة بتاريخي بقدر ماهيَ تنويع وإثراء للتجربة، ألَا يُعتبر هذا أمراً مَحموداً!
 
- سي لمين، لو تُطلعنا على راهن الحالة الصحيّة للفنّانة القديرة السيّدة سعاد مَحاسن؟
 
الحمدُ لله الذي لا يُحمد على مكروهٍ سواه، صحّة سعاد مَحاسن مستقرّة ولم تشهد تطوُّراً أو تعكُّراً ملحوظاً، والمرض الذي تُكابدهُ لم يستفحل منذ زهاء العام وثمانية أشهر، الأطبّاء المُباشرين لوضعيّتها نصحونا بعدم نقلها لتلقّي العلاج في المصحّات، رغم تقديري الخالص لدور كافّة مؤسّساتنا الاستشفائيّة في المجتمع، وكل ما تحتاجهُ سعاد حالياً، الإحاطة العائليّة والدفئ بين أفراد أسرتها، وتوفير كل ما لهُ علاقة بماضيها التليد ومجدها الأثيل حتى يبقى لها ذلك الشعور المفعم بالطاقة الإيجابيّة والإحساس بأنّها لا زالت قريبة من وسطها العائلي والفنّي الذيْن كرّست لهما حياتها بـ فائق الحبّ والتبجيل.
 
- دعنا الآن نفتح ملف الأعمال الرمضانيّة، ما الذي شدّ انتباهك وكيف ترى مستوى الإنتاجات المعروضة؟
 
أوّلاً، ما يمكن مؤاخذتهُ على المحطّات التلفزيونيّة في تونس هو برمجة بثّ مُعظم أعمالها في نفس التوقيت، وبالتالي لَا يسعُ المُشاهد التركيز وإنصاف كُل ما يُعرض، ولا يصحّ في الأخير إلّا الصّحيح، ولا يجتذب أنظار المتابعين سوى الإنتاجات القيّمة و"المخدومة" بصدقٍ وعمق.
 
تابعتُ مسلسل "الفوندو" على قناة الحوار وشدّني إليه خاصّةً في حلقاته الخمس الأولى نسق الأحداث التشويقي وحبكة "الخرافة" التي أتقنت حياكتها وإخراجها في أبهى صورة المخرجة المتميّزة سوسن الجمني، وأنا أُبارك نجاحها ومُثابرتها، كما أرى أنّ هذا المسلسل رغم بعض مؤاخذاتي عليه من زاوية فنيّة بحتة، أرى أنّه حقّق المطلوب وحاز رضاء المشاهدين والأرقام كذلك تؤكّد أنّه تمكّن من حصد استحسان الأغلبيّة الساحقة.
 
وإن أردتَ استطلاع ذوقي الشخصي، سـ أمنح الصنف الأوّل للمخرج الأسعد الوسلاتي الذي أخرج ما في جرابه من إبداع وأنجزَ مسلسلاً دراميّاً شائقاً حتماً ستحفظه الذاكرة كأحد أبرز الدّرر الخالدة على مرّ الزمان... "حرقة"، استطاعَ بمَشاهدهِ المُحاكية للواقع ونقلهِ لعذابات العائلة التونسيّة المكلومة بفعل ظاهرة الهجرة غير النظاميّة، أن يرسم لنا لوحة فنيّة في منتهى القسوة والإيلام... وأستغلُّ هذه المساحة لكيْ أهمس في أذن المخرج العبقري الأسعد الوسلاتي بكل لطف، أنّ ما ينقص مسلسل "حرقة" هو إضفاء فسحة من التفاؤل والأمل وإبراز الجانب المشرق لبلادنا، فـ المدرسة الأمريكيّة على سبيل المثال، صحيح تركّز على الظواهر الحارقة في مجتمعها، لكنها لا تغفل عن إضاءَة الوجه النيّر لموْطنها، كيْ لا تكون الصورة سوداويّة قاتمة لا إشراقة فيها.
 
ما تبقّى من أعمال دراميّة، صدقاً ودون تجنّي على جهود الأصدقاء والصديقات، لم يرتقِ مسلسل "أولاد الغول" إلى مستوى التطلّعات والانتظارات وزادت ظلاميّة الصورة الطاغية على جلّ المشاهد وبطء تحوُّل الأحداث من رتابة القصّة وبُرودها، ولا أعتقد أنّ كلامي هذا يمسّ من قيمة فنّانين كبار كَـ فتحي الهدّاوي ووحيدة الدريدي، وبالنسبة لـ "مشاعر" لم تسنح لي الفرصة لأكتشفهُ.
 
- الكوميديا حاضرة هي الأخرى بأكثر من عمل، هلْ من رؤية تقييميّة لشكلها ومضمونها؟
 
أقولها دون تردّد، "ما فمّاش أعمال كوميديّة بالكُل"، وقد استوقفني العديد من المواطنين في الشارع، للتعبير عن عدم رضاهم نتيجة غياب البسمة والضحكة الهادفة في رمضان، حتّى أنهم عادوا إلى أرشيف التلفزة الوطنيّة من أجل الاستمتاع بـ روائع حُفرت في أذهان التونسي واقتلعت منه الضحكة دون تكلُّف.
 
- من تمنحهُ وسام التميُّز كأفضل وجه رمضاني لهذا الموسم؟
 
تفاجأتُ بأداء نعيمة الجاني وأبهرني عطاؤها وتمكُّنها من تقمّص شخصيّة الأمّ الملتاعة، وكسرتْ بذلك نمطيّةً لطالما لازمتها واتّسمت بها أدوارها السّابقة... نعيمة الجاني ممثلة موهوبة غامرت في "الفوندو" حتّى لا تظلّ حبيسة نفس القالب وكسبت النجاح بـ إجماع، على عكس فتحي الهدّاوي الذي بقي في نفس الجلباب ولم يتجدّد، وأخشى عليه من السقوط في التكرار المُمِل.
 
- أردتَ التعريج على المخرج عبد الحميد بوشناق، هل من ملاحظة في شأنهِ؟
 
عبد الحميد بوشناق مخرج شاب أثبتَ أنّهُ رقم صعب وفلتة في مجاله، وهو يستحق الثناء على ما قدّمه من أعمال مهمّة في وقتٍ وجيز، ولا أحد ينكر نجاح مسلسل "نوبة" أو شريط "دشرة" السينمائي الذي حقّق به جماهيريّة غير مسبوقة، لكنّني أعتبر أنّ سلسلة "كان يا ما كانش" التي اضطلعَ بمسؤوليّة إخراجها "عثرة" بالنسبة إليه وهو مدعوٌّ لـ تجاوُزها في قادم أعماله.
 
- زميلك المنجي العوني وصفكَ في آخر إطلالاته الإعلاميّة بأنّك «ماكش باهي إنسانيّاً» هلْ هناك خفايا نجهلها بخصوص حقيقة علاقتكما؟
 
"إذا كان فمّة واحد ما يلزموش يحكي على الجانب الإنساني هو السيّد آذاكا"... لا أعلم سبب تعمّده مهاجمتي بذاك الأسلوب الفجّ، ولا خلاف لي معهُ إطلاقاً، بلْ أنّني سُعدتُ عندما علمتُ أنّه عاد للتلفزة للمشاركة في أحد الأعمال بعد احتجابٍ مُطوّل... عموماً، المنجي العوني لا يُضحكني والعمل الوحيد الذي أدّاه بـ إجادة هو دورهُ في مسرحيّة الكرّيطة.
 
- لِنختم حوارنا، بـ رؤيتك كمُواطن للوضع الوبائي في تونس ورأيُك في مسألة التطعيم؟
 
يجبُ أن تعي السلطة السياسيّة خطورة الوضع الاقتصادي المُتداعي أوّلاً وقبل كل شيء، فـ المواطن التونسي بمختلف شرائحه وفئاته بلغ مرحلة من الضّنكِ والضَّيْق ومعيشتهُ وصلتْ مأزقاً لا منجى منه... وزادت القيود المفروضة من تعميق محنته، كما لا ينبغي التقليل من شأن دقّة الظروف الراهنة بما فيها من تفشٍّ وبائيّ مُتسارع يستوجب الالتزام بأعلى درجات اليقظة والتوقّي.
 
وأُعلن من خلالكم أنّي سـ أتلقّى جرعة التلقيح ضد فيروس "كورونا" يوم الثلاثاء المقبل، كَـ أوّل فنّان ينخرط في هذه الحملة ويُشجّع على الإقبال عليها.
 
حاوره: ماهر العوني