الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة ومضة نقدية للمجموعة القصصية "بقعة حلم" للكاتبة مجلة نوار.. بقلم الاستاذ عبد الرزاق بن علي

نشر في  25 نوفمبر 2021  (19:07)

بقلم الاستاذ عبد الرزاق بن علي

ربما يرى البعض أن الاهتمام بالمجاميع القصصية وايلائها حيزا نقديا يضاهي الأعمال الروائية ضرب من المبالغة وموازنة ما لا يوازن، أو ان السير بالكتابة في نهج القصة هي الطريق المختصرة والسهلة التي يسلكها من لا موهبة له. بيد ان هذا الرأي في اعتقادي مجانب للصواب وفيه تجن على البعد الإبداعي . ففعل الكتابة عطاء بالكلية وهو إما أن يكون وإما أن لا يكون. أما عن جنس الكتابة فهو كمن يختار بين طبق طعام عن طبق آخر، هكذا ليس في الأمر عقلانية ولا منهجا موحدا. وهنا يتبلور مفهوم الاختلاف ومنه يكون الإثراء بعيدا عن فكرة "القوالب". ثم إن جنس القصة يعد من أصعب الأجناس تناولا.

الكتابة بالنسبة لي هي من أكثر تعبيرات الذات واقربها الى كينونة الإنسان وأكثرها صدقا وتجليا.

في هذا الإطار، ومنذ أن وصلتني المجموعة القصصية  "بقعة حلم" للقاصة و الكاتبة نجاة نوار تناولتها بالقراءة دون انتظار. هذه المجموعة القصصية التي هي بمثابة المولود البكر للمبدعة نجاة نوار تولت نشرها دار الثقافية للنشر، المنستير تونس في حلة رائعة وإخراج جيد. اعتمدت فيها الأوراق ذات اللون الأصفر الباهت، وهذا اختيار أراه ذي أهمية بالغة واختيار صائب على عكس الأوراق شديدة البياض وما تخلفه من إرهاق بصري حين القراءة  (هو سبب من أسباب عدم القراءة لدى البعض ممن يعانون من صعوبات في النظر) هذا إضافة لتشبهه (بقصد أو دون قصد ) بلون الصحراء التي نجد اثرها جليا في ثنايا الكتاب.

احتوت المجموعة على خمس عشرة اقصوصة اختلفت عناوينها وتقاربت مضامينها بخيط الدلالة والمعنى. استهلت القاصة كتابها بإهداء خالف المعهود من حيث الجمع بين الإيجاز والكثافة وكأن المؤلفة رأت أن تؤسس لعلاقة حميمة مع قرائها منذ الاستهلال. فيهدي القارئ بدوره هذا العمل لمن يراه جديرا وتهدي القاصة مؤلفها لمن حافظت عليه في "فؤادها" على حد قولها.

 

سأحاول في هذه القراءة تسليط الضوء على بعض الجوانب التي رأيتها مهمة فقط  وهذا لا يعني أنني تناولت المجموعة كاملة بالدرس.

افتتح الكتاب بأقصوصة اختارت لها الكاتبة عنوانا لا يخلو من الرمزية. عنوان تجد أثره بين السطور، تعكسه البنية الدائرية التي انطلقت منذ بداية الحكاية تلميحا وصولا إلى نهايتها تصريحا. "نجاة "، عنوان في الحقيقة ليس من الصعب أن يجد فيه القارئ ذلك الرابط بينه وبين اسم الكاتبة. إذ ليس بالإنجاز أن يستنتج القارئ أن النجاة هي نتيجة معاناة ومكابدة مرتقبة ستجد تفاصيلها في النص. بيد ان الذكاء في اعتقادي يكمن في المعجم الذي اختارته القاصة لنسج نصها. إن حضور معجم الصحراء والبيئة الجنوبية وما تفرضه من عادات وتقاليد دليل على صعوبة النجاة وصعوبة الحياة في تلك الربوع. معجم يجعل من النص وثيقة ميلاد و تأصيل. كيف لا و الصحراء تعلن حضورها بالضرورة. حضور يعكسه المعجم الذي نسجت من خلاله الكاتبة خيوط الحكاية.

ربما ارادت الكاتبة من وراء ذلك اعلان تجذرها وفخر انتمائها الى تلك الربوع. رغم رفضها لبعض ارهاصاته خاصة وهي الانثى.

اما وأنت تقرأ القصة الثانية التي اختارت لها القاصة عنوانا فيه شيء من الجناس "شوق و شوك" ستكتشف ولو تلميحا، نقدا لطيفا للمجتمع الذكوري الذي تتحول فيه المرأة على حد تعبيرها الى "مكنسة تتفقد غرف البيت يومياً وممسحة تزيل عوالق الغبار عن الاثاث المتواضع..."  هذا كما كان جليا رفضها لبعض المفردات التي تتوارثها العائلات توارثا آليا ربما دون قصد الاساءة للأنثى، كلمات من قبيل "سي السيد " "سيدي خويا "...

نقد تريد من ورائه الكاتبة التأسيس لمرحة جديدة من العلاقة بين المرأة والرجل دون غوغائيات حقوق المرأة التي لا تعدو ان تكون شعارات بعيدة كل البعد عن حقوق نصف المجتمع عند الكثير من المتشدقين. فهي لم تنف دور الرجل في حياة كل امرأة وما يوفره من جهد مضن تجاه عائلته.  "فالأب لا يعود من عمله بليبيا ألا بعد ثلاثة أشهر..." وهذا اعتراف صريح منها بدور الرجل والمسؤولية الملقاة على كاهله.

انتهت المجموعة بقصة تحمل عنوانها الرئيسي "بقعة حلم " حيث لعب الخيال المبدع للكاتبة دورا فنيا رائعا في علاقة بنظرتها لفعل الكتابة وفلسفتها في نظم الحروف. لقد بان جليا شغفها بالكتاب والقراءة من خلال معجم الاطراء والمديح الذي اعتمدته القاصة. لتجد نفسك وأنت تقرأ القصة امام نص شعري غزلي غلبت عليه الاستعارات والصور الشعرية .

"طرفت بعيني لاعود إلى اللوحة. تحينت التماع خروف عربية لأقرأ عبارة " فكر بنوع الكتاب ينفتح بين ذراعيك" واصلت اللوحة تغيير حروفها بينما هزني شوق جارف لأخوض التجربة الفريدة...حيث تدنت عناقيد المعرفة و دنا قطافها... "  أ ليس ذا غزلا وحبا وارفا للحرف والكتابة ؟؟

مجموعة قصصية جديرة بالقراءة والاهتمام يجذبك اسلوبها منذ البداية وتطربك اللغة الي نسجت بها نجاة نوار نصوصها.  قراءة ممتعة والى كتاب وكاتب آخر، نلتقى على انغام الحروف .

بقلم الاستاذ عبد الرزاق بن علي