الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية حقائق صادمة تخصّ ظاهرة استقطاب الإرهابيين و"تقنياتها" وما حكاية الجمعية القرآنية المشبوهة بالعاصمة التي تتبع التيار الحازمي الخطير؟

نشر في  23 جوان 2022  (13:44)

على هامش ندوة وطنية انتظمت مؤخرا بالعاصمة من قبل ائتلاف صمود تحت عنوان "التطرف والاستقطاب: الاثار الاجتماعية والمخاطر"، طرح الائتلاف من خلال عدد من الخبراء والمختصين في المجال ظاهرة الارهاب والتطرف وطرق استقطاب الناشئة في بلادنا وتم بسط النقاش للنبش عن الأسباب والمسببات وبحثا عن حلول مقترحة للدرء من المخاطر المحتملة..

في البداية أفاد حسام الحامي المنسق العام لائتلاف صمود خلال الندوة التي تابعها موقع أخبار الجمهورية، أنّه ورغم ابعاد الاسلام السياسي منذ 25 جويلية 2021 عن مراكز القرار وما تبع ذلك من تصوّرات ذهبت الى القول بأنّ الأمر سيؤدي حتما إلى تراجع الجمعيات الدينية المشبوهة والمدارس القرآنية، وبالتالي ضعف الدور الذي كانت تقوم به خاصة في أدلجة العقول واستقطاب الناشئة إلّا أنّه تبين عكس المأمول حيث تبيّن أنّ الظاهرة مازالت متواصلة في الخفاء لتكوين قنابل موقوتة في ظل صمت تام من مراكز القرار...

وتابع الحامي انه وبناء على ذلك، فقد قرر ائتلاف صمود تنظيم مثل هذه الندوة لتسليط الضوء على مسألة التطرف والاستقطاب وصياغة مقترحات وحلول للحد من تبعاتها، وقد شارك في هذه الندوة كل من الدكتور والباحث رضا التليلي  مدير مؤسسة أحمد التليلي للثقافة الديمقراطية والمفكر والباحث في الأنثروبولوجيا يوسف الصديق وكذلك المختص في علم الاجتماع صلاح الدين بن فرج الى جانب الصحفية والباحثة في شؤون الجماعات المتطرفة منية العرفاوي و معز علي رئيس جمعية اتحاد التونسيين المستقلين من اجل الحرية ومنسق الائتلاف المدني لمكافحة الارهاب.

الإستقطاب آلية من آليات القطع والهدم

وفي مداخلته اعتبر أستاذ علم الإجتماع صلاح الدين بن فرج ان الاستقطاب هو عبارة عن "آلية قطع" مع الجماعات الجاهلية والممتنعة وفق ما يسميه منظرو الحركات المتطرفة والاخوانية، وهو قطع -وفق اعتبارهم- مع مجتمع الجاهلية أو مجتمع الممتنعة مثلما تحدث عن ذلك اكبر المنظرين لذلك الفكر سيد قطب في كتاب معالم في الطريق.

ويضيف بن فرج بأنّ هذه الآلية أي آلية القطع تأتي للمواجهة بين عالمين متناقضين اولّهما عالم قائم وموجود والثاني عالم موهوم وموعود ومبشّر به ويعتقد انه سيكون موجودا يوما...

ويتابع الاستاذ صلاح بن فرج مداخلته قائلا إنّ "هذا الاستقطاب هو عبارة عن مواجهة شاملة تمتد من الدولة الى المجتمع تؤسسه خلفية ايديولوجية مكفرة للدولة والمجتمع معا، وهو مبدأ استند اليه كل منظرو الحركات المتطرفة من بينهم السيد قطب الذي كفّر المجتمعات الاسلامية و أبو الأعلى المودودي مؤسس الجماعات الاسلامية في الهند الذين اتفقوا انه في صورة قبول المجتمع بكفر الدولة فانه يحل فيه القتل كما يحل في ممثلي الدولة... اذن فالقتل يحلّ على الجميع وهي الدعوى التي استند اليها عتاة الارهابيين".

وذكّر بن فرج في هذا الإطار بالتجربة المريرة التي عاشتها الجزائر في عشريتها السوداء حيث دعا الى مثل هذه الأفكار الإرهابية كل من عباسي مدني مؤسس الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية وعلي بلحاج احد مؤسسي هذه المحضورة معتبرين ان كل من لم ينتمي الى مجتمعاتهم المتطرفة فهو كافر يحلّ فيه القتل..

ما سرّ التقنيات الخمس المعتمدة للإستقطاب؟

ويضيف المتدخّل معتبرا انّ الاستقطاب التكفيري هو عملية معقدة يكمن تعقيدها في ضرورة استجابة هذا الاستقطاب لعدد من الشروط أولها تخصيص العرض بحسب ملمح المستهدفين، متطرقا في هذا السياق الى ما خلصت اليه باحثة فرنسة مختصة في الانثروبولوجيا عن طريق بحث ميداني تمكنت من خلاله من اكتشاف 5 تقنيات تتعلّق بطرق استهداف المستقطبين...

التقنية الأولى اسمتها الباحثة بـ "الفارس البطل" وهي تقنية خاصة بالشبان أما التقنية الثانية فهي تتعلق باستقطاب الفتيات تحت مسمّى  "les cause humanitaire" ، أما التقنية الثالثة فهي تقنية "حامل الماء" الخاصة بالشباب الأصغر سنا من الباحثين عن الزعام...

أمّا التقنية الرابعة فهي تقنية خاصة بمن تستهويهم المواجهات وهم صنف المعتدّين بأجسامهم، فضلا عن التقنية الخامسة المتعلقة بالشباب الحالم بالمغامرة القصوى التي لا حدود لها وهي تقنية  تحت مسمى  «sans limite» ...

وأشار هنا المختص في علم الاجتماع أنّ بسط التقنيات المذكورة هو دليل على انّ القائمين على عملية الاستقطاب هم أطراف شديدة الدهاء تعمل وفق استراتيجات محكمة وتخطيط مدروس وليسوا مجرد أشخاص عاديين ولديهم امكانيات اكبر بعشرات المرات مما نعتقد...

وبخصوص الفئات الشبابية الاكثر استعداد لتقبل الخطاب التكفيري، أكد بن فرج أنّ أغلبهم ضحايا لوضعيات هشة إمّا أسريا أو دراسيا أو من بين العاجزين على بلورة مشروع مستقبلي لحياتهم فضلا عن الشباب الجانح، ما يتركهم فريسة سهلة للتيارات المتطرفة والارهابية التي تنطلق في البداية لتغذية الشعور بالنقمة لديهم ما يؤهلهم تدريجيا  لتنبني ثقافة اليأس والموت والخراب...

واعتبر بن فرج ان من شروط الاستقطاب توفر جملة من المهارات لدى القائم بهذه العملية الاستقطاب حيث يكون شخصا له قدرة كبيرة على الاقناع وملما بجميع المرجعيات الدينية المتطرفة، مشيرا الى انّ عملية الاستقطاب يمكن ان تكون على المدى القصير او على المدى الطويل وتتمثل أولى المراحل في الاستدراج وترسيخ المعتقدات ومن ثم تحويلها الى قناعات...

 "وصولا الى مرحلة الانتزاع القائمة على هدم الجانب العلائقي والشخصي للشاب المستهدف ويتجلى ذلك عبر تغييرات تحدث في سلوكه وفي طريقة عيشه اليومي (اللباس والأكل والجلوس مع الآخرين والابتعاد عن العائلة)، ثم تأتي مرحلة التعويض للمختارين في اطار الاستقطاب بتزويجهم بمجرد قراءة الفاتحة من نساء لاعطاء معنى لوجودهم حسب هذا الفكر...

ويتغير سلوك المنتدب بعد ذلك من خلال مؤشرات سلوكية لافتة تتمثل خاصة في ازدياد حماس الشاب ومؤشرات مقلقة تصل الى القطيعة مع العائلة والبحث عن طرق التخفي، أما أخطر المؤشرات فتتمثل في نشر خطاب الكراهية وتشريع العنف والهوس بنهاية العالم وعذاب القبر وتبني دور المظلوم ورفض النقاش وفرض المواقف الى جانب النشاط الكبير في مواقع التواصل الاجتماعي والدفاع عن الارهابيين وصولا الى الإعلان العلني عن مبايعة الجماعات المتطرفة والولاء لهم..." يضيف الباحث الاجتماعي.

حذار من فئة الشباب الجانح ومجزرة بن طلحة الجزائرية في البال !

وفي حديثه عن فئة الشباب الجانح وهي الفئة التي يراهن عليها القائمون على عمليات الاستقطاب شديد المراهنة، استرجع مرّة أخرى الأستاذ في علم الإجتماع صلاح بن فرج في هذا الاطار نبذة مما عاشته الجزائر في عشريتها السوداء تتعلق تحديدا بـ"وعد الخلاص والسلامة" الذي أصدره منظرو جبهة الانقاذ الارهابية... هذا الوعد الذي تم اثر انتداب عتاة المجرمين والارهابيين من بينهم جمال الزيتوني قائد الكتيبة الخضراء الرهيبة في تاريخ الجزائر وعنتر الزوابري الملقب بـ"أبو طلحة" وكذلك ياسين عمارة المشهور بـ"نابولي" وهم من بين الارهابيين الذين تسببوا بمجازر حصدت آلاف الأرواح في عدد من المجازر من بينها مجزرة بن طلحة التي أفتى فيها الارهابي عنتر الزوابري بإعدام كل يتنفس في بلدة بن طلحة الجزائرية فلم ينج من دمويتهم لا البشر ولا الحيوانات ولا حتى الاشجار...

واعتبر الباحث ان الصنف الخاص بفئة الشباب الجانح تمت المراهنة عليه في تونس سنتي 2011 و2012 ولكن من حسن الحظ ان تلك المراهنة باءت بالفشل ولم تتواصل.

وخلص الباحث الى ان الذوات المحبطة والاديولوجيات المتطرفة لا تتلاقى بالصدفة وانما عن طريق استراتيجية محكمة تغذيها الظروف الموضوعية والمناخات الاجتماعية المتميزة بالتصدع والهشاشة، مشددا على ان مسار الارهاب ينشأ في الاسرة ويتركز في المدرسة ويتحول الى قناعة اثناء تجربة البطالة وينتهي بالممارسة في المدن والجبال.

الوسائط اللوجستية للاستقطاب

اما عن الوسائط اللوجستية للاستقطاب ، فقد اعتبر الباحث صلب مداخلته ان رياض الاطفال هي الاولى في الانتداب والثانية هي فضاء المسجد ثم المدارس والجمعيات المشبوهة  من بينها الخيرية التي تعتبر احدى الوسائط الاساسية المتصلة بالنبل والطهورية والعمل الخيري الذي تتخفى خلفه كل اشكال الاستقطاب، هذا فضلا عن الجمعيات الرياضية المخترقة التي ولج إليها التكفيريون وكذلك الوسائط الافتراضية..

وقال الاستاذ والباحث الاجتماعي صلاح الدين بن فرج إن هاجس التخوف من مخاطر الارهاب لم ينته الى اليوم، مضيفا بأن الدولة لا يجب أن تكون دائما في وضعية دفاع عن نفسها في صورة حدوث هجمات ارهابية بل عليها وضع استرتيجية كاملة لمنع الوقوع في هذا الخطر وعلى اعتبار انّ عملية استقطاب الشباب تتم على فترات طويلة فإنه من الواجب اتخاذ كل  الاحتياطات اللازمة وتسخير المختصين للاحاطة بالفئات الشبابية المعرضة للاستقطاب وايجاد حلول لمشاكلهم المادية والاجتماعية.

من جانبه اعتبر معز علي رئيس جمعية اتحاد التونسيين المستقلين من اجل الحرية ومنسق الائتلاف المدني لمكافحة الارهاب، انه ورغم النجاحات الامنية الكبيرة التي تم تحقيقها في اطار مكافحة الارهاب الا ان مكينة التجنيد والدمغجة مازالت متواصلة، مشدّدا على ان الفضاء الافتراضي هي عبارة عن  ماكينة توجيه وأدلجة مقابل عدم تحصين الشباب التونسي خاصة عن طريق المطالعة...

خير جليس في الأنام كتاب... ليس في تونس !

 وفي مداخلته رفع معز علي الستار عن أرقام مفزعة تعكس عزوف التونسي عن المطالعة وشراء الكتب مقابل الاستخدام الكبير والمتابعة الشديدة لوسائل التواصل الإجتماعي بشتى انواعها، مؤكدا بأن التونسيين الذين يستعملون موقع الفايسبوك يقدّر عددهم بـ  7 مليون و600 مستعمل وأكثر من نصفهم ينتمون لفئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة...

 ويتابع أنّ ما يناهز الـ3 مليون تونسي الانستغرام، اكثر من نصف مستعمليه من الشباب... أما موقع LinkedIn لينكدن المختص الذي يعتبرو أكبر موقع للشبكات المهنيّة للباحثين عن فرص عمل والذي من المفترض أن يكون اكبر وجهة للتونسيين على اعتبار ارتفاع نسبة البطالة  فإن مجموع مستخدميه لا يتعدى المليون ونصف مستخدم لا غير...

أمّا الأرقام التي يجب أن نتوقف عند الاطلاع عليها فتلك المبلورة لعلاقة التونسي بالكتاب الذي لا تتعدى قراءته لكتاب واحد في السنة 0.79 بالمائة، وعن نسبة التونسيين الذين لا يطالعون الكتب بعد انتهاء مسيرتهم الدراسية والجامعية فقد قدّرت بـ 60 بالمائة، وأمّا نسبة التونسيين الذين لم يقتنوا اي كتاب في السنة الاخيرة الماضية فناهزت الـ 83 بالمائة، فضلا عن انّ  49 بالمائة من التونسيين  لم يطالعوا ولو كتابا واحدا في حياتهم...

واعتبر المتحدّث ان ارتفاع معدل الجريمة في تونس يعود الى اختلال منظومة القيم والأخلاق مقابل انتشار منسوب العنف وتضاعف استخدامات الألعاب والتطبيقات الالكترونية فضلا عما باتت تحتويه المسلسلات من مشاهد عنف مادي ولفظي تقود الى الانهيار القيمي والاخلاقي وتهدّد سلوك المراهقين والشباب...

الإستقطاب عن طريق الفضاء الإفتراضي

وأشار معز علي أيضا الى منسوب العنف الذي أصبح يكتسي عددا من تدوينات اشخاص ينتمون إلى عالم السياسة وآخرين يطلقون على انفسهم صفة النخبة، معتبرا في هذا السياق بأن الخطاب العنيف ليس مقتصرا عن الخطاب الايديولوجي فحسب بل يمتد أيضا الى الخطاب السياسي الموجه..

واعتبر ان الدولة ورغم معالجتها الامنية لظاهرة العنف والارهاب والتطرف الا انها لم تقم باحداث استراتيجية تعنى بمتابعة الفضاء الإفتراضي الذي يعد أهم وسيلة لاستقطاب أنصار الفكر الإرهابي وأتباعه...

معطيات وأرقام مفزعة  تخصّ المدارس القرآنية والجمعيات المشبوهة ببلادنا

من جانبه تحدّث الدكتور والباحث رضا التليلي مدير مؤسسة أحمد التليلي للثقافة الديمقراطية في مداخلة ألقاها خلال الندوة بعنوان "التعليم القرآني الجمعياتي، الوضع الحالي"، تحدّث عن معطيات وأرقام مفزعة  تخصّ المدارس القرآنية والجمعيات المشبوهة ببلادنا متسائلا عن مصادر التمويلات الأجنبية الغامضة لها والتي فتح لها المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المتعلّق بالجمعيات الباب على مصراعيه بلا حسيب ولا رقيب قانوني لها...

تأسيس 24 ألف جمعية في تونس، 30 بالمائة منها عناوينها غير حقيقية !

واكد التليلي بدءً بأنّ الكتاتيب التابعة لوزارة الشؤون الدينية يناهز عددها الـ  1800 كتّابا متسائلا في هذا السياق هل أن مراقبتها تتم على أمثل وجه وبالطريقة المستوجبة لمراقبتها منعا لكل انحراف وما يتبعه من أدلجة، مجدّدا طرح المشكل المتعلّق بالمرسوم عدد 88 الذي يترك الحرية المطلقة لتكوين الجمعيات دون مراقبة متعلّقة بتمويلها خاصة منه الأجنبي حيث وصل عدد الجمعيات التي تم تأسيسها في تونس حوالي 24 ألف جمعية مسجلة لدى رئاسة الحكومة دون متابعة تصنيفاتها ولا عناوينها الحقيقية (30 بالمائة عناوينها زائفة).

ويضيف الدكتور والباحث رضا التليلي في مداخلته معطيات أخرى كانت ثمرة دراسة ميدانية أشرفت عليها مؤسسة أحمد التليلي للثقافة الديمقراطية والتي تولت الصحفية منية العرفاوي المساهمة في جانب كبير منها عبر التحري والاستقصاء والبحث حول واقع التدريس الموازي في تونس سواء كان عبر المدارس والكتاتيب والجمعيات المشبوهة التي تتلحّف ظاهرا بغطاء تدريس القرآن من أجل أهداف اخرى خطيرة تهدّد الناشئة...

 ويؤكد  الباحث وفقا للدراسة المذكورة، وجود حوالي 600 مدرسة قرآنية تتبع الرابطة التونسية للدفاع عن القرآن الكريم فضلا عن 300 جمعية قرآنية، الى جانب 600 مدرسة قرآنية تابعة لجمعيات خيرية، فضلا عن مدارس قرآنية عشوائية أخرى.

 55 ألف طفل وطفلة في الكتاتيب

وحول نوعية المدارس القرآنية في تونس، فقد صنّفها الباحث التليلي أولا الى الكتاتيب التابعة لوزارة الشؤون الدينية والتي ذكر في بداية مداخلته أن عددها يقدّر بـ1800 كتّاب والتي تستقطب حوالي 55 ألف طفل وطفلة تتراوح أعمارهم بين 3 الى 6 سنوات...

الجمعيات الخيرية حدّث ولا حرج !

أما الصنف الثاني فهو التابع لرابطة الدفاع عن القرآن الكريم ولها 600 فرع وكل فرع له مدرسة قرآنية تضم ما بين 40 و50 تلميذا، هذا إلى جانب الجمعيات الخيرية في تونس والتي يقدّر عددها بـ 1200 جمعية  ولها مدارس قرآنية في نسبة كبيرة منها تحديدا ما بين 60 و70 في المائة...

وأضاف رضا التليلي أنه باستثناء الكتاتيب القرآنية الخاضعة لبرنامج تعليمي مقترح من قبل وزارة الشؤون الدينية، فإن بقية الأنشطة الدينية من بينها تلقين القرآن لا تخضع إلى أيّ تراتيب بيداغوجية جليّة ولا تتم مراقبتها كما يجب خاصة وأنّ  عملية المراقبة متشعبة نظرا لتوزعها بين عدة وزارات (الشؤون الدينية والتربية  والمرأة والأسرة والطفولة والشؤون الإجتماعية  ووزارة الثقافة) فضلا عن مراقبة هياكل أخرى ومنها من  يخضع لمراقبة مباشرة عن طريق الجمعيات نفسها.

وشدّد المتحدّث على أنّ المدارس القرآنية في تونس مبنية على نوع من الطبقية حيث ان هنالك "مدارس" خاصة بالاثرياء وأخرى بالطبقات المتوسطة وغيرها  للطبقات الفقيرة ، معتبرا انه من بين الاسباب التي تدفع بالاولياء من مختلف الطبقات الاجتماعية الى تسجيل ابنائهم في هذه المدارس القرآنية نقص الهياكل الثقافية والتربوية (14 دور سينما ومسرح و238 دار ثقافة في تونس مقابل 6000 جامع) فضلا عن الدوافع الاقتصادية  حيث تعتبر هذه "المدارس" غير مكلفة مقارنة بالمحاضن والروضات فضلا عن الدافع الإيديولوجي القائم على القناعة والواعز الديني...

"المدارس القرآنية بين الدفاع عن الهوية واختراق منظومة التعليم الوطني"

ومن منطلق مساهمتها في الدراسة الشاملة حول التعليم القرآني في تونس والتي أطلقت عليها اسم " المدارس القرآنية بين الدفاع عن الهوية واختراق منظومة التعليم الوطني أو أطفال القرآن بتونس"،  أكدت الصحفية والباحثة منية العرفاوي أنّه وبعد مدة من الرصد والاستقصاء الميداني والتدقيق في البرامج المقدمة لهؤلاء الاطفال توصلت للعديد من الخلاصات من بينها أنّ التعليم القرآني خلق مسارا تعليميا موازيا في تونس بكل تفرعاته انطلاقا من الكتاتيب التي يناهز عددها 1800 كتّاب..

وشدّدت على انّ الرقابة لهذه الكتاتيب ضعيفة للغاية ورغم ان برامجها تعتمد من قبل كل من وزارة الشؤون الدينية ووزارة التربية لكنه في بعض الاحيان يتم خلطها بممارسات تُصبغ بتفكير من يتولى إدارة هذا الكتّاب وانطباعاته الايديولوجية ورؤيته للشان الديني بشكل عام...

عندما تحيد رابطة القرآن الكريم عن منهجها الزيتوني...

وبالنسبة لرابطة القرآن الكريم التي تستهدف فروعها الـ 600 جميع الأعمار، اعتبرت العرفاوي أن الرابطة  قد حادت على المنهج الذي كانت تعمل به منذ تأسيسها عام 1968 تحت مراقبة الدولة،  وأصبحت بعد  سنة 2011 كغيرها من المؤسسات في الدولة معرّضة للأدلجة في كثير من فروعها ولم تعد رابطة القرآن الكريم رابطة تشتغل فقط وفقا لمناهج التعليم الزيتوني...

هذا إلى جانب تعليم "الزوايا" وهو نوع من التعليم الصوفي الموجود في بعض المناطق ورغم محافظته على مسافة بعد بين الايديولوجيا والسياسة إلّا انه هو الآخر ينهل من مدارس أجنبية وافدة ولا يلتزم بالضرورة بالتعليم الديني في تونس...

تضيف  الصحفية منية العرفاوي لتؤكد في مداخلتها بأنّ تعقب مثل هذه الجمعيات ومصادر تمويلها صعب للغاية نظرا إلى الممارسات المعتمدة للتحيل على القانون، مؤكدة في المقابل أن التدريس في هذه المدارس العشوائية القرانية يقوم بالاساس على عامل الخوف من الجنة والنار وعذاب القبر ونفي الآخر فضلا عن تدريس بعض هذه المدارس للأطفال آيات قرآنية تتطلب حد أدنى من النضج الفكري لفهمها تدرس هكذا فضلا عن المنهج التلقيني في الكتاتيب الذي لا يفتح الأفق للتفكير والتأمل وطرح السؤال..

واعتبرت ان التونسيين الذين التحقوا بالجهاد ليس لديهم تأصيل فكري عميق وثقافة دينية عميقة بل هم من الذين تم إعدادهم  على عجل، مشيرة الى انه ورغم الاطمئنان المؤقت  الذي بات يسود المجتمع من الناحية الامنية ورغم اننا مررنا من حالة إنكار هذه الجماعات إلى مرحة الاعتراف فإنه ومقابل ذلك هنالك تنظيم دموي يأفل وتنظيم دموي  آخر مستعد للظهور.

ونوّهت العرفاوي الى وجود قوى وطنية واطرف اجنبية استثمرت في هؤلاء الاطفال وضخّت من اجل ذلك الكثير من النقود لتحقيق أهدافها المشبوهة، متسائلة عن سر غياب التقارير المتعلقة برصد الخروقات في مثل هذه المدارس العشوائية خاصة في ظل ظهور الخروقات التي  تشهدها المدارس التعليمية الرسمية إلى العلن.

تتبّع التيّار الحازمي الخطير (تيار الحطّاب): ما حكاية الجمعية القرآنية المشبوهة في حي الخضراء؟

وكشفت الباحثة منية العرفاوي عن وجود جمعية قرآنية مشبوهة ومعروفة في حي الخضراء بالعاصمة تقوم بتلقين مناهج متطرفة وبث أفكار راديكالية من قبيل أدبيات ابن الباز وابن عثيمين، مشيرة إلى انه ورغم الإعلام عن خطورة ما تنتهجه هذه المدرسة القرآنية إلاّ أنّ نشاطها مازال متواصلا ولم يتوقف يوما وهي تتبع التيار الحازمي الذي يتبناه عدد من الإرهابيين داخل تنظيم داعش الإرهابي من بينهم المنتمين إلى المجموعة التونسية التي برزت بقيادة بلال الشواشي.

تجدر الإشارة من جهتنا إلى انّ التيار الحازمي يعتبر من بين التيارات الأكثر غلوا في التكفير قبل داعش وما بعدها،  بل إنه ينظر إليه على أنه الفصيل الأكثر تطرفا داخل التنظيم ومن بين ادبيات هذا التيار الخطير هو أن الحكم بالتكفير من أصل الدين وليس من لوازمه..

وينتسب التيار الحازمي إلى السعودي المتطرف أحمد بن عمر الحازمي المسجون بالمملكة العربية السعودية منذ 30 أفريل 2015، يشتهر بتكفيره لمن يَعذُر بالجهل.

ويكفّر الحازميون كل من يختلف معهم ويكفرون العوام والأشخاص، كما أن كل من لم يكفر هؤلاء فهو كافر عندهم، بناء على قاعدة "من لم يكفر الكافر فهو كافر" واستنادا الى موقفهم من مسألة "عدم العذر بالجهل في الشرك الأكبر وتكفير العاذر"..

وقد استطاع هذا التيار نشر أفكاره من خلال الارهابي التونسي "أبو جعفر الحطاب"، أحد تلاميذ الحازمي، وهو عضو اللجنة الشرعية السابق في جماعة أنصار الشريعة بتونس والذي تولى فيما بعد منصب القاضي الشرعي لإحدى ولايات تنظيم داعش، داخل اللجان الشرعية والقضائية والعسكرية بالتنظيم، وتبعه في ذلك عدد من التونسيين والسعوديين.

الفيلسوف يوسف الصديق: عدد المساجد التي بنيت في بلادنا منذ الاستقلال إلى يومنا هذا يضاهي عدد المساجد التي بنيت من الفتح إلى الاستقلال

 من جانبه وصلب مداخلته التي تطرّق خلالها إلى مسألة بناء المساجد في تونس، أكد الفيلسوف والصحفي يوسف الصديق انّ عدد المساجد التي بنيت في بلادنا منذ الاستقلال إلى يومنا هذا يضاهي عدد المساجد التي بنيت من الفتح إلى الاستقلال ، داعيا في المقابل إلى ضرورة بناء المدارس والمستشفيات ودور الثقافة...

 وتساءل المفكر يوسف الصديق في مداخلته عن تضاعف اعداد المساجد في تونس خاصة وانّ الله نصح بإقامة الصلاة في أي مكان تبعا لقوله "ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله"...

 مواكبة: منارة تليجاني