الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية مشروع الدستور الجديد: العميد بلعيد يتحدّث عن الكارثة الكبرى وعن تكريس النظام الفرعوني و"حكم البابا" والمدّ الشيعي ويوجه هذه الرسالة

نشر في  23 جويلية 2022  (16:01)

جدّد أستاذ القانون الدستوري العميد الصادق بلعيد، انتقاده  لمشروع الدستورالجديد الذي قدّمه رئيس الجمهورية يوم 30 جوان 2022 قبل أن يقوم بتعديله يوم 8 جويلية، مشدّدا خلال كلمة ألقاها ألقاها خلال ندوة نظّمها يوم أمس ائتلاف صمود على هامش حملة الاستفتاء على أنّ قراءة ما جاء في أحكام هذا المشروع الذي وصّفه الطامة الكبرى تؤكد بأنّه سيؤسس لنظام دكتاتوري فرعوني...

  ونوّه  العميد  بلعيد عبر عدّة نقاط  الى مخاطر مشروع الدستور المعروض على الاستفتاء يوم الاثنين المقبل 25 جويلية، مشيرا الى أنّه سيكرّس نظام الحاكم الأوحد الذي لا رقيب له ولا حسيب فكل الصلاحيات مُجمّعة بين يديه ولا قيمة ولا أهمية للهيكلين التشريعي والحكومي فضلا عن أنّ حال البلاد من الناحية الاقتصادية والإجتماعية سيزيد سوءً بفضل هذا المشروع الذي لم يتعرّض إلى هذه المسائل بل ولم يعطها أيّة أهمية فكان دستورا سياسيا بامتياز بل الدستور المحاكي لسياسة صاحبه لا غير وفق تعبيره...

وقال بلعيد "إنّنا اليوم في مفترق الثنايا وليست هذه المرة الأولى التي نعيش فيها مثل هذه المرحلة الدقيقة التي لم تتزحزح فيها الحالة السياسية للبلاد منذ سنة 2011 الى غاية هذه السنة بل نحن  أصبحنا اليوم في أعمق الحضيض..."

وتحدّث العميد الصادق بلعيد في ذات الندوة التي واكبها موقع أخبار الجمهورية عن أبرز النقائص والإخلالات القانونية والسياسية والتاريخية التي أتى بها مشروع الدستور المعروض على الاستفتاء، متسائلا في البداية عن سرّ تعمّد الرئيس قيس سعيد في توطئته المطوّلة المضمّنة في نص المشروع  محو وفسخ كل المراحل التاريخية التي عاشتها بلادنا اثر دستور 1861 ليقفز مباشرة الى تاريخ 17 ديسمبر 2010 دون التطرق الى المحطة التاريخية الفارقة التي أتت بالاستقلال سنة  1956 فضلا عن تغييب كل العمليات الدستورية.

واعتبر أنّ تساؤله بشأن أسباب تغييب قيس سعيد لعدة مراحل تاريخية هامة لبلادنا في توطئته يتأتى من كونه يعلم  بأنّ سعيد هو من أحسن المؤرخين للقانون في تونس حيث كان أحد طلبته وهو ما يدلّ بأن كل ما عاشته تونس في تلك الفترة لا قيمة لها بالنسبة له بل مجرّد أضغاث أحلام، مضيفا أنه كان من المفترض أن تكون التوطئة في أسطر مقتضبة معبّرة عن أفكار عامة يؤمن بها الجميع وليس قسطا دون آخر على حدّ تعبيره...

الكارثة الكبرى والفرق بين الأرض والشمس

ووضع العميد بلعيد الرئيس سعيد في ذات الخانة مع حركة النهضة التي لا تؤمن بالفترة البورقيبة التي وصّفها بالملحمة، عند تحاشيه الحديث عنه وعن مآثره، قائلا " بعد وفاة بورقيبة لم يأت إلاّ الفراغ والخراب "...

وعند التطرق الى ردّة فعله الأولى عند اطلاعه على النسخة الأولى لمشروع الدستور والتي كان الرئيس قد سلّمها له عند قيامه بزيارة له في المستشفى بمعية رئيسة الحكومة ابان قيامه بعملية جراحية، قال بلعيد "رغم أنّي كنت آنذاك تحت تأثير البنج شعرت اثر قراءتي الأولية لما ورد في نص المشروع بأنّها الكارثة الكبرى... وساعتها  فقط علمت أنّ ذاك النصّ لا يمت بأية صلة للنص الذي قدمته له وكما قال احد زملائي كان الفرق بينهما كالفرق ما بين الأرض والشمس ".

وعرّج المتحدّث على الاخطاء الواردة في النسخة الأولى لنص مشروع الدستور الجديد وعددها 46 خطأً، مستبعدا بأن يكون قيس سعيد هو من دوّنه حيث قال في هذا الإطار" الاخطاء الموجودة تدل على أن اللغة العربية التي كتب بها نص المشروع لم تكن بيد الرئيس لانني أعلم جيدا إتقانه اللغة العربية لذلك فانني متأكد بأنه ليس هو من كتب النص بل أن الذي كتبه هو من الدرجة السفلى"...

واعتبر أنه ورغم التصحيح الذي ورد بالنسخة الثانية المنشورة بالرئد الرسمي يوم 08 جويلية الحالي لم يحسّن من رداء النسخة الاولى  لأنه اصبح لا يقل رداءة عنه وفق تعبيره، متسائلا في هذا الجانب كيف من المعقول أن يبت مثل هذا النص في مستقبل هذه البلاد...

واضاف العميد بلعيد بأنّ الاستفتاء المزمع إجراؤه الايام القادمة ليس له أي علاقة بتجارب الاستفتاء المعروفة سواء داخليا أو خارجيا ولا من ناحية المضمون العام الذي تحدّثت عنه كل كتب المختصين، معتبرا أنّ مسألة مرور مشروع الدستور المعروض على الاستفتاء يوم 25 جويلية محسومة وكلّ ما نعيشه اليوم هو مجرّد مغالطة كبرى باستعمال كلمة لشيء غير مطابق لذلك المفهوم...

وجدّد أستاذ القانون الدستوري تحذيره من مغبّة مرور هذا المشروع الدستوري الذي وصّفه بالرديء والخطير على مستقبل البلاد وشعبها وناشئتها، معتبرا في البداية بأنّ هذا المشروع قد أخطأ المرمى وغايته تكريس نظام ديكتاتوري مطلق...

النظافة وحدها غير كافية..

وشدّد بلعيد على انّ السرطان الذي يضرب البلاد اليوم هو الوضع الاقتصادي والاجتماعي مذكرا أن تونس غير قادرة اليوم على خلاص ديونها و أن الوضع كارثي وسيزيد مرور هذا الدستور الطين بلّة والازمة عمقا... وقال "لا تأملوا من هذا النص أي أمل للخروج من الأزمة الاقتصادية لهذه البلاد فلا سياسة قادرة ومتمكنة ولا سياسيين اقتصاديين نراهم حول الرئيس لمساعدته في هذه المسألة كما انّ أغلب كوادر الاقتصاد فرّوا من البلاد أمّا السياسيين فعلى بكرة ابيهم لم يخرجوا من نعرتهم السياسية وجشعهم في تحقيق مصالحهم.. فأصبحت السياسة كالتجارة الخبيثة واكثر من يتعاملون فيها هم خبثاء سياسيون... أمّا عن نظافة الرئيس التي أشهد بها أمام الجميع فإنّها لا تكفي دون حكمة ومعرفة وعلم واختصاص ومثابرة في العمل للنهوض بالبلاد"...

وأكّد الصادق بلعيد انّ صلاحيات رئيس الجمهورية وفقا لما جاء في أحكام مشروع الدستور هي صلاحيات مطلقة لا قيد لها حيث انه دستور مكرس للسلطة التنفيذية الاحادية التي يمّثلها الرئيس وهي حكر عليه حتى لو ساعدته في تلك الوظيفة حكومة يسهر وحده على التحكّم في تركيبتها رأسًا واعضاءً وهو الذي يقيلهم متى شاء.

مشروع الدستور يكرّس النظام الفرعوني

وأضاف المتدخّل بلعيد بانّ رئيس الجمهورية وفقا للدستور الجديد ستكون بيده أيضا الصلاحيات التشريعية حيث ستكون له اولوية تقديم مشاريع القوانين، وسيكون في غنى عن الغرفتين النيابيتين إن رغب في تمرير بعض القوانين الهامة جدا (تنظيم السلط أو الموافقة على معاهدات دولية) عن طريق اللجوء إلى الاستفتاء  فضلا بأنّ كل وسائل الرقابة السياسية بيده ولا رقابة برلمانية عليه فكل الهياكل الاخرى تُراقب أما هو فلا... قائلا في هذا الصدد " سيكرس هذا المشروع النظام الفرعوني واقولها بكل تواضع إن منصب الرئيس سيقترب من الفرعونية في هذا النظام اكثر من أي نظام آخر "...

ومواصلة في الحديث عن مشروع الدستور الجديد، شدّد العميد بلعيد على أنّ الفصل 96 الوارد به والمتعلق باتخاذ التدابير الاستثنائية في البلاد يمثّل تهديدا حقيقيا للحقوق والحريات والحراك الاجتماعي من خلال دسترة فرض حالة الطوارئ والتدابير الاستثنائية وجعلها غير خاضعة للرقابة، مشيرا الى أنه فصل مشابه كل الشبه للفصل 80 لدستور 2014.

فرعون أصبح اليوم بابا...

كما نوّه أستاذ القانون الدستوري في ذات مداخلته الى خطورة الفصل الخامس والذي أثار جدلا منقطع النظير، مؤكدا انّ التنقيح الأخير الذي ورد به والمتعلق بإضافة "في ظلّ نظام ديمقراطي" لا معنى له ولا جدوى وهو بمثابة ضحك على الذقون فالدولة التي ستكون راعية للدين سيمثّلها رئيسها الذي سيصبح الراعي الوحيد للمشاعر الدينية ولمقاصد الاسلام ومبادئ الدين الحنيف قائلا "وهو ما يعني أن فرعون أصبح اليوم بابا ".

هذا كما نوّه بلعيد الى خطورة إلغاء تعيين خطة مفتي الديار التونسية، معتبرا أنّه ووفقا للفصل الخامس وعندما تهدأ الامور سوف يتولى رئيس الجمهورية القيام بتكوين مجلس أعلى للشؤون الدينية تماما كما حاولت فشلاً القيام به النهضة  في سنة 2014...

وتطرّق بلعيد أيضا في مداخلته الى ما جاء في منطوق الفصل 135 المتعلق بإحداث المجلس الاعلى للتربية والتعليم الذي سيتولّى إبداء الرأي في الخطط الوطنية الكبرى في مجال التربية والتعليم و البحث العلمي والتكوين المهني وآفاق التشغيل، معتبرا أنّ إحداث مثل هذا المجلس أمر خطير للغاية ومن شأنه ان يفتح باب الحذر على مصراعيه بما فيه من تهديد لمستقبل الناشئة الذي سيكون مصيرها مرتبطا بطبيعة اللجنة التي ستأخذ مكان وزارة التربية للتحكم في النظام التعليمي  والتصوّر البيداغوجي...

وذكّر بلعيد في هذا السياق  ببعض ما رسخ في أذهان التونسيين حول زيارة الداعية التكفيري وجدي غنيم فترة حكم النهضة الى تونس والقبلة التي طبعها آنذاك على جبينه النائب السابق لرئيس حركة النهضة عبد الفتاح مورو والقولة التي أسر له بها ومفادها "نحن لسنا بحاجة لهؤلاء نحن بحاجة لأبنائهم وأحفادهم".

في المقابل ألمح العميد الصادق بلعيد إلى إمكانية تكوين أرضية سياسية لولوج المدّ الشيعي الإيراني إلى بلادنا، معربا عن خشيته ان نجد انفسنا اليوم تحت ربقة الحكم الشيعي بعد مرور ألف سنة عليه في تونس..

في ختام مداخلته توجّه العميد الصادق بلعيد برسالة تحذير الى جميع التونسيين مفادها: "يجب ان تستفيقوا وإن عدلتم عن ذلك فان الخطأ كبير والخطر قادم وداهم"...

متابعة: منارة تليجاني